اسرائيل علمت علي مصر هههههههه

في هذه العملية لم يقم فقط العدو بسرقة رادار حربي متقدم—كتلة حديدية تزن الأطنان—من قلب الأراضي المصرية. 

بل تسبب في بداية توتر العلاقات بين الاتحاد السوفيتي ومصر، وأعادت صياغة شكل الدفاع الجوي المصري بالكامل، بينما قطفت واشنطن أثمن ثمارها لإنقاذ طائراتها في حرب فيتنام.

في أواخر الستينيات، زود الاتحاد السوفيتي مصر بمنظومة رادارات حديثة جداً من طراز (P-12 "Yenisei"). 

هذا الرادار المتقدم كان بمثابة العين الحارسة، وفخر الصناعة العسكرية السوفيتية؛ إذ تميز بقدرته العالية على رصد الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، وتوجيه الصواريخ المضادة للطائرات بدقة متناهية.

وكما هو دأبها دائماً، كانت إسرائيل تعتمد على تفوقها الجوي لضرب العمق المصري، ولكن فجأة.. تغيرت كل قواعد اللعبة؛ إذ بدأت المقاتلات الإسرائيلية تسقط ك الذباب بفعل هذا الرادار تحديداً.

أمام هذا النزيف الجوي، بدأت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) بحثاً مكثفاً عن السبب، فجاء الجواب حاسماً...

 إنه الرادار السوفيتي الجديدالمتقدم (P-12).

أثناء تحليل الصور الجوية اليومية التي كانت تغطيها طائرات التجسس الأمريكية لمنطقة البحر الأحمر، لاحظ ضابط في جهاز (أمان) يُدعى "رامي شلوش"، وجود محطة رادار (P-12) مصرية جديدة نُصبت في موقع معزول في منطقة "رأس غارب"، وكانت المحطة محمية بالخيام فقط بدلاً من الدشم الخرسانية الحصينة.

طرح الملازم الفكرة على قائد القوات الجوية آنذاك، "موردخاي هود"، والذي كان يبحث بدوره عن أي سبيل لوقف نزيف طائراته بفعل حائط الصواريخ المصري. بدأت الفكرة كاقتراح روتيني لقصف الموقع وتدميره، ثم سرعان ما تطورت إلى تساؤل استخباري خبيث: "لماذا لا نأخذه كاملاً ونضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؟".

هنا ظهر الدعم الأمريكي اللوجستي؛ حيث كانت واشنطن قد زودت العدو بمروحيات (CH-53 Sea Stallion)—المعروفة بـ "الياسمور"—والتي وصلت إلى إسرائيل قبل العملية بأسابيع قليلة جداً، ضمن صفقة تسليح أمريكية إستراتيجية لمواجهة النفوذ السوفيتي المتصاعد في المنطقة.

في 26 ديسمبر 1969، استغلت إسرائيل هذه الثغرة الجغرافية؛ حيث كانت القوة المصرية المدافعة عن الموقع صغيرة، لا تتعدى 10 إلى 15 جندياً وفنياً.

ولضمان نجاح العملية وتشتيت انتباه القيادة المصرية ومنع وصول أي تعزيزات للموقع، شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات وهمية وقصفاً عنيفاً مكثفاً على مواقع مصرية أخرى في جبهتي السويس والقنطرة. 

خلق هذا القصف حالة من الضوضاء والإلهاء الراداري، فظنت القاهرة أن المعركة الكبرى تدور هناك، بينما كانت القوة الحقيقية تتسلل في صمت مطبق نحو "رأس غارب".

تحت جنح الظلام، انطلقت ثلاث مروحيات من طراز "سوبر فريلون" فرنسية الصنع، تحمل قوة كوماندوز من نخب المظليين الإسرائيليين (الكتيبة 50 زحلاوي). 

هبطت القوة على بعد كيلومترات من المحطة، وتسللت مشياً على الأقدام، ثم باغتت القوة المصرية الصغيرة المتواجدة في الموقع. 

وفي معركة خاطفة لم تستغرق سوى ثلث ساعة، تمت السيطرة على المحطة وأسر الجنود الناجين.
كان يرافق الكوماندوز مهندسون فنيون قاموا على الفور بتفكيك الرادار إلى جزأين رئيسيين: (مقطورة الرادار، ومقطورة الهوائي والاتصالات الموجودين في الصورة بالأعلى).

 وهنا استُدعيت مروحيتان من الطراز الثقيل الحديث (CH-53) لبدء عملية النقل الجوي. 

ولولا الحمولة الثقيلة والقدرة الاستثنائية لهذه الطائرات الأمريكية، لما نجحت عملية الشحن؛ بل إن إحدى المروحيات كادت أن تسقط في مياه البحر الأحمر بسبب الثقل الزائد للمقطورة المصرية، لولا مهارة الطيار وضخ محركاتها الأمريكية القوية.

بمجرد أن هبطت المروحيات بالرادار المصري في سيناء المحتلة، طار خبراء من البنتاغون والاستخبارات الأمريكية فوراً إلى تل أبيب.

بالنسبة لأمريكا، كان هذا الرادار بمثابة كنز هبط من السماء؛ إذ كان الطراز نفسه (P-12) يمثل الكابوس الأكبر للطائرات الأمريكية في حرب فيتنام، ويتسبب يومياً في إسقاط قاذفات الـ (B-52) فوق هانوي.

اشتركت أمريكا على الفور في عملية هندسة عكسية خاطفة، وقامت بتمويل عمليات فك الشفرات، وبادلت إسرائيل بأسرار تكنولوجية وأنظمة تشويش متطورة بناءً على البيانات المستخرجة من الجهاز المصري؛ حيث كانوا بحاجة ماسة لاستجواب هذا الجهاز وهو "حي" وسليم لمعرفة أسراره، وتطوير أجهزة تشويش تُركب على الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تجعلها "غير مرئية" بالنسبة للدفاع الجوي.

على الجانب الآخر، أثارت العملية موجة غضب عارم وعاصفة من الهلع داخل القيادة العسكرية للاتحاد السوفيتي؛ ليس بسبب خسارة جهاز فحسب، بل لأن تكنولوجيا الرادارات السوفيتية الأكثر سرية أصبحت مكشوفة عارية أمام الخبراء العسكريين في واشنطن. 

أرسل السوفيت على الفور لجنة تحقيق رفيعة المستوى إلى القاهرة، ووجهوا لومًا شديدًا لـ "إهمال" تأمين الموقع، واعتبروا الحادثة ضربة قاسية لسمعة السلاح السوفيتي عالمياً، مما أجبر مصانع موسكو الحربية على إعادة تصميم أنظمة الترددات بالكامل لتفادي التشويش مستقبلاً.

لم تقف مصر مكتوفة الأيدي؛ فالرد على إهانة "رأس غارب" جاء بأسلوب استخباري وعسكري زلزل الداخل الإسرائيلي عبر جبهتين:

أمر الفريق محمد فوزي (وزير الحربية المصري آنذاك) بإعادة هيكلة خطوط الدفاع الجوي فوراً، وصدر القرار الأهم تاريخياً بدمج شبكة الرادارات بالكامل ضمن تشكيل مستقل عُرف بـ "قوات الدفاع الجوي المصري"، وتم سد الثغرات الجغرافية وزيادة القوات الحامية للمحطات لمنع أي تسلل مروحي مجدداً.

وبعد أسابيع قليلة، حاولت إسرائيل تكرار السيناريو ذاته في جزيرة شدوان عام 1970،بعد أن تشجعت أكثر وقالت لما لا يكونوا عمليتين بدل واحدة.

و لكنها هذه المرة تصادمت بملحمة صمود أسطورية من رجال الصاعقة والجنود المصريين الذين كانوا بالمرصاد و رفضوا الاستسلام، وقاتلوا بشراسة كبدت العدو خسائر فادحة أجهضت أهداف العملية.

وتوج الرد المصري بالعملية الاستخباراتية البحرية الأشهر في حرب الاستنزاف؛ وهي قصف وتدمير رصيف ميناء إيلات الحربي بواسطة الضفادع البشرية المصرية، وتدمير سفينتي الإنزال الإسرائيليتين "بيت شيفع" و"بات يام"—وهي السفن ذاتها التي استخدمها العدو لنقل القوات والمعدات في عمليات البحر الأحمر. 

كان الرد رسالة واضحة لا لبس فيها:"إذا سرقتم راداراً بالجو، فسنغرق أسطولكم في عقر داركم تحت الماء".

إلى هنا، ندرك تماماً أنه لا توجد جبهة معزولة عن الأخرى في عالم الظلال؛ فعملية "الديك 53" أثبتت أن راداراً مصرياً في "رأس غارب" كان يحمل شفرة النصر أو الهزيمة لطيار أمريكي يحلق فوق أدغال فيتنام، وغير من الاستراتيجيات العسكرية لمهندسي السوفيت في موسكو.

 والآن ياصديقي هل نغوص في الملف القادم مع الضفادع البشرية في إيلات، ونرى كيف ردت البحرية المصرية الصاع صاعين ودمرت الناقلتين "بيت شيفع" و"بات يام"، بل ودمرت الرصيف الحربي في أخطر عملية قلبت الموازين؟

 أم نعود لملفات التفتيت والإنهاك في العصر الحديث ونفتح ملف: "مستندات الصخيرات وجنيف.. كيف هندست الـ CIA والـ MI6 معارك النفط والمليشيات على الحدود الليبية المصرية؟"

كلماتك في التعليقات هي الشفرة السرية التي تفتح الملف القادم!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في عام 1890، انتشر خبر عن مسرحية ستُعرض في فرنسـا

فعلاً في قمـة الروعـــة :

📜1📜عقيدة أهل السنة والجماعة